للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

إملالاً. قال محمد بن نصر: فالله يعلم ما آثرت تلميحاً، ولا اجتنبت تصريحاً، ولا قصدت إلى غموض، ولا تنكبت وضوحاً، وإنما أصور لك نفسي كما أجدها، وما أدري كيف أتحدث إليك بهذا الحديث، وما أعرف من أين آخذه. آخذه من مبتدئه أم آخذه من منتهاه، أم آخذه مما بين ذلك، فإن كل موضوع منه تملؤه العبرة والعظة، وتظهر فيه هذه الروعة التي تتأثر لها القلوب، وتفكر فيها العقول. إنه رجل لم يعرف الناس من أول أمره إلا أنه كان عبد حبشياً لسيد من سادات قريش في مكة، هو جبير بن مطعم، وكانوا يرونه فتى شديد البأس عظيم الأيد شجاعاً جريئاً، يعمل لسيده فيما يعمل فيه الرقيق، ولو أن الرق لم يعرض له لكان خليقاً أن يسود في بلده وبين قومه هؤلاء السود. ولكن الرق عرض له كما عرض لكثير من أشراف الروم والفرس فألقاه إلى هذا الحي من قريش، وفرض عليه ما يفرض على الأرقاء، من الخنوع، والخضوع، ومن الذلة والهوان، ومن العمل فيما لا يعمل فيه أصحاب النجدة والمروءة من الناس. وكان هذا الفتى ضيقا بحياته أشد الضيق، منكراً لها أعظم الإنكار، جامحاً حين يتاح له الجموح، شامساً حين يتهيأ له الشموس، لا يخفي بغضه للرق وطمعه في الحرية مهما يكلفه ذلك من غضب سادته وزجرهم، ومن إعناتهم له وإلحاحهم عليه بالإعنات. وكانت قريش قد لقيت من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه جهدا شديداً يوم بدر، وفقدت جماعة من سادتها وأشرافها، وذاقت الهزيمة المنكرة، وذاقت فقد الأحياء، وذاقت هذا الذل الذي يكره العرب أن يذوقوه، ذل الموتور الذي لم يدرك وتره؛ وكانت قريش تتجهز لإدراك الوتر والأخذ بالثأر، وشفاء حزازات النفوس، وإرضاء قتلاها من أهل الحفير؛ وكان جبير بن مطعم قد فقد عمه طعيم بن عدي يوم بدر، وكان حريصا على أن يثأر به وينتقم له من قاتله. ولم يكن قاتله إلا حمزة ابن عبد المطلب عم النبي، وأسد الله، وشجاع قريش، وحامل لواء المسلمين لأول ما عقد اللواء. قال عمير بن عبد الله: فإنك إنما تتحدث عن وحشي، فما خطبه وما الصلة بينه وبين هذا الرجل الذي شهدت جنازته اليوم؟ قال محمد بن نصر: فان هذا الرجل الذي شهدت جنازته منذ اليوم هو وحشي نفسه. قال عمير: ليتني عرفت مكانه من هذه المدينة حين أقبلت إليها إذن لسعيت إليه، ولسمعت منه، ولسألته عن بلائه ذلك المنكر. قال محمد بن نصر: وكذلك قلت لنفسي أنا منذ حين، ولكني رأيت من رآه، وسمعت ممن سمع منه، ولقد رأى من رآه رجلا

<<  <  ج:
ص:  >  >>