للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>

صبرتم لهو خير للصابرين. واصبر وما صبرك إلا بالله، ولا تحزن عليهم ولاتك في ضيق مما يمكرون. إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).

ولم يعلم العبد أن النبي فد اضطر إلى أن يكفر عن يمينه، ثم لم يعلم العبد أن النبي قد عاد إلى المدينة محزوناً أسفاً، فلما سمع نساء بني الأشهل يبكين قتلاهن قال: ولكن حمزة لا بواكي له! وسمع ذلك منه الأنصار، فأرسلوا نساءهم يبكين حمزة عند بيت النبي، وخرج نساء النبي فبكين معهن حتى ردهن النبي داعياً لهن، ثم أصبح فنهى عن البكاء.

لم يعلم العبد من هذا شيئاً، وماذا يعنيه من هذا، إنما كان يريد حريته وقد بلغها، وماذا صنع البائس بحريته؟ لم يعد إلى بلده، وكيف سبيل العودة إليها؟ ولم يسد في مكة، وكيف إلى السيادة فيها؟ إنما عاش بين قريش حراً كالعبد، وطليقا كالأسير. نعم لم يعد العبد بشيء من هذا، ولكنه علم ذات يوم أن جيوش المسلمين مقبلة على مكة، ورأى ذات صباح جيوش المسلمين تدخل مكة، واستيقن العبد أنه مقتول إن ظفر به المسلمون، ففر وانطلق في الأرض يلتمس لنفسه مأمناً فلا يجده. هؤلاء المسلمون ينتصرون على العرب يوم حنين، وهذه أرض العرب كلها تذعن للنبي، فأين الملجأ من الله؟ لقد آوى العبد إلى الطائف يتهيأ للسفر إلى المدينة، وما هي إلا أيام حتى تذعن الطائف لما أذعنت له مكة. والآن يفكر العبد في مهاجرة البلاد العربية كلها. ولكن كيف السبيل إلى الهجرة؟ لقد أُخذت عليه سبيل الحبشة، وأُخذت عليه سبيل الروم، وانبسط سلطان النبي على الشمال والجنوب. لقد كانت الهجرة ميسورة قبل الآن. فأما الآن فقد تقطعت من دونها الأسباب.

هنالك يلقي بعض الناس في نفس العبد أن النبي لم يقتل قط رجلاً جاء مسلماً؛ وأن النبي ذات يوم لجالس بين أصحابه، وإذا رجل قائم على رأسه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله؛ وينظر النبي فيرى العبد فيعرفه، ولكن الله قد عصم دمه بالإسلام، وما قتل النبي قط رجلا جاءه مسلماً، وان كان قد قتل عمه حمزة. فيأمر النبي ذلك العبد أن يجلس ويحدثه كيف قتل عمه؛ وهذا العبد قد جلس وهو يعيد على النبي بلاءه المنكر، وحديثه يملأ قلب النبي حزناً ولوعة وأسى؛ والعبد بين يديه، لو أراد لأرضى حزنه ولوعته بمصرعه، ولكن أنّى له ذلك وقد أعتصم العبد بالإسلام؟

وقد آثر النبي أن يعفو، وآثر أن يصبر. أليس قد عفا عن هند وقد مثلت بعمه ولاكت كبده،

<<  <  ج:
ص:  >  >>