للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج:
ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

وجاء الصباح ولم يظهر على مرق القارورة تغير. وجاء الظهر، ومضى أكثر النهار، فأحس رجليه تثقلان من الخيبة مرة أخرى. وجاء المساء وتمتم لنفسه: (يظهر أن كل تلك المحاليل الرائقة لن تأذن لهذه العصي اللعينة بالتزايد فيها. ومع هذا فلأنظر مرة أخرى. . .!)

وكان في معمله مصباح واحد من الغاز يضيئه، وقع بين الأجهزة الكثيرة فألقى على الحائط خيالات كبيرة مروعة. فإلى هذا المصباح رفع بستور قارورته، ثم همس يقول: (لا شك أن شيئا تغير في هذا المحلول، فإني أرى فقاعات صغيرة من غاز تصعد متقاطرة متحاذية من تلك الجسيمات الدكناء التي لقحت المحلول بها. وقد زاد مقدار هذه الجسيمات عما كان بالأمس، وكلها تخرج منه هذه الفقاعات). وعندئذ أغمض بستور عينيه. وبقى في غيبوبة عند محضنه الصغير. ومضت ساعات تلو ساعات ولعله لم يحس بها. ورفع قارورته برفق وحنان، وحركها في الضوء بلطف وئيد، فصعد من قاعها من شيء كالغمام الاقتم دار صاعدا كاللولب، وخرج منه غاز كثير. والآن فإلى المجهر. . .

قطرة قطرة من السائل تحت مكروسكوبه. يا لشياطين الأرض وملائكة السماء! إنها مليئة تعج بالملايين من تلك العصي الراقصة. وهمس لنفسه في لهفة: (إنها تتكاثر! إنها حية!). ثم صاح يجيب زوجه: (نعم، نعم، سأصعد بعد قليل). وكانت تدعوه من عل إلى لقمة، وكانت تدعوه إلى نومه. ومضت ساعات وهو باق تحت معمله

وفي الأيام التي تلت أعاد بستور التجربة، فوضع قطرة تزخر بتلك العصي في قارورة جديدة بها مرق من مرق الخمير رائق جديد ليس به عصا واحدة، وفي كل مرة امتلأ المرق بالبلايين من تلك العصي، وفي كل مرة تكون حامض اللبن فيه. ثم صرخ (بستور) بأعلى صوته يخبر الدنيا، فلم يكن بالرجل الصبور. وأخبر المسيو (بيجو) أن الذي أمرض أحواضه هي هذه العصي الحية: (يا مسيو بيجو، حل بين هذه العصي وبين حياض بنجرك، تحصل دائما على الكحول الكثير) وأخبر طلبته بكشفه الكبير، بأن هذه الخلائق البالغة الصغر تستطيع تخريج حامض اللبن من السكر، وقال لهم إن هذا الشيء لم يستطعه رجل ولن يستطيعه. وكتب بالخبر إلى أستاذه القديم (دوماس)، وإلى جميع أصدقائه. وحاضر فيه للجمعية العلمية بمدينة (ليل)، وكتب مقالا فيه وبعثه إلى أكاديمية العلوم

<<  <  ج:
ص:  >  >>